تاريخ السجون

المحرر28 نوفمبر 2024Last Update :
تاريخ السجون
رشيد معتصم

المسؤولية:رشيد معتصم
يعود تاريخ السجون إلى العصور القديمة وقد تصعب معرفة بدايتها أو نشأتها. فهي قديمة إلى درجة أنها قد ذكرت في القرآن الكريم في إشارة إلى سجن النبي يوسف عليه السلام، كما أن السجون وردت في التوراة والعهد القديم على أنها كانت موجودة في القدس منذ عصر النبي موسى عليه السلام وما قبل ذلك.
ويعتقد كثير من المؤرخين بأن الفراعنة كانوا أول من توصل لفكرة السجون والحبس كوسيلة للتحفظ على المذنب حتى يتم الحكم بأمره.
قبل نشأة السجون كانت العقوبات التي تفرضها السلطة دائمًا بدنية، عبارة عن أعمال شاقة، أو نفي بدون محاكمة، وكان التعذيب الجسدي عادةً ما يتم بصورة علنية، وفي الساحات العامة، بهدف ردع المجتمع.
ما يثير الدهشة أن السجن في بداية نشأته لم يكن الغرض منه العقوبة في حد ذاته، إنما كان مكانًا يُحتجز فيه مرتكب الجريمة، لفترة من الزمن، حتى تقع عليه العقوبة الفعلية، وكانت عادة عقوبة بدنية مؤلمة، مثل الضرب بالسوط.
رحلة طويلة خاضتها السجون لتتطور باعتبارها فكرة عقابية، بمرور الزمن، بسبب تقدم العلوم الإنسانية، والتقدم التكنولوجي، من زنازين تحت الأرض، وأبراج وقلاع، إلى سجون حديثة تسمح باصطحاب حيوانات أليفة، وآلات موسيقية في دول العالم المتقدمة، فتطورت أصفاد القدم الحديدية إلى أساور إلكترونية، لكن بقيت فكرة السجن باعتباره عقابًا موجودة عبر التاريخ.
هناك الآن نحو 10 ونصف مليون مسجونًا حول العالم، منهم 2.2 مليون في أمريكا وحدها، ومنذ عام 2000 زادت نسبة المساجين حول العالم نحو 20%، وزادت نسبة النساء منهم نحو 50%، وزادت نسبة الرجال ‎%‎‏18‏‎.‎
أقدم تاريخ لوجود نظام السجن، سُجل في الألفية الأولى قبل الميلاد، في بلاد الرافدين ومصر، في هذه الآونة كانت السجون عبارة عن زنازين تحت الأرض، وكان مصير المساجين إما الإعدام، أو أن ينتظروا أمرًا ليصبحوا عبيدًا.
غيرت اليونان الوضع قليلًا، فتحولت الزنازين المظلمة والأسوار العالية إلى وحدات خشبية، يوضع بها المساجين، مسلسلين بالأصفاد في أقدامهم، وسمحت لأقاربهم وأصدقائهم بالزيارة.
استخدمت الإمبراطورية الرومانية القديمة وسائل قاسية للسجن، كل الزنازين كانت تحت الأرض، ضيقة وبينها ممرات وطرق تسبب الرهاب والاختناق، وكان السجناء يقيدون بسلاسل، لمدة من الزمن، أو مدى الحياة، ولأن نظام العبودية كان موجودًا آنذاك كان يستخدم «العبيد» ممن تحرروا من السجن، ليكونوا مصارعين.
في أوروبا ظلت أحوال السجون قاسية، حتى بداية الملَكية الإنجليزية، في تطبيق نظام أكثر عدلا. في عام 1166 شيد هنري الثاني ملك إنجلترا أول سجن، وبالتوازي أدخل بعض الإصلاحات القانونية، ووضع أول مسودة عُرفت بعد ذلك بنظام المحلّفين.
في عام 1215 وقّع جون ملك إنجلترا أحد أهم التشريعات التاريخية المعروفة باسم الماجنا كارتا، أو في الحقيقة أُجبر على التوقيع، وتتضمن الوثيقة أنه لا حبس دون محاكمة، وفي القرن الـ15 في فترة اضمحلال الإقطاعية، وتوسع المدن، حدثت اضطرابات اقتصادية واجتماعية، وأصبح الكثيرون بدون مأوى، وزادت السرقات، والدعارة، ولتتعامل السلطة مع هذه التطورات شُيدت بيوت عمل أشهرها بريدويل كان يوضع بها السراق، وبائعات الجنس، والمشردون، يمكثون في غرف وليس زنازين. كان المسجون آنذاك يصنع منتجات متنوعة، لأن العمل الشاق هو صورة لإعادة التأهيل من وجهة نظر الدولة حينها، ولكن لم تنفّذ كل البلاد الأوروبية هذه الفكرة.
مستعمرات العقاب
ومع تقدم الصناعة في الفترة من القرن الـ16 إلى القرن الـ18، تضاعف المساجين بصورة درامية، أُدخلت وسائل أخرى للعقاب، غير مكلفة اقتصاديًا، مثل إرسال المساجين إلى معسكرات بعيدة، في نهاية القرن الـ18، أُرسل أكثر من 50 سجينًا من إنجلترا إلى مستوطنات العقاب في شمال أمريكا واستراليا، ليقوموا بأعمال شاقة في الأدغال، بلا أجر، لذا كان نظامًا أشبه بالعبودية، كثيرًا ما كان المعتقَل يموت بسبب الإهمال الطبي، وسوء التغذية، أو من شدة الإرهاق، وكان الموت أيضًا ينتظره إذا حاول الهرب.
وظلت فرنسا تستخدم هذا النظام حتى القرن العشرين، أما روسيا فكانت ترسل المساجين إلى شمال شرق سيبيريا المتجمد، واستمر استخدام هذه المستعمرات البعيدة حتى التسعينيات.
إنجلترا صانعة شكل السجون الحديثة
تُعرف لندن على أنها مكان ميلاد السجون الحديثة. بدأ الأمر منذ القرن الـ19 في إنجلترا؛ الفيلسوف جيرمي بنثام«1748-1832» كان صاحب فكرة إرسال المدانين للسجن باعتباره عقابًا، لأنه كان ضد عقوبة الإعدام.
رسم بنثام مخططات لمنشآت يبقى فيها المساجين لفترة من الزمن، كان التصميم يتضمن عدم قدرة المساجين على رؤية الحراس الموجودين بالسجن، وكان الغرض من هذا التصميم توفير الأموال؛ عن طريق عدد قليل من الحراس، والاعتماد على الحراس الموجودين في مخيلات المساجين، في النهاية هذا التصميم لم يُنفّذ، لاستحالة تنفيذه عمليًا.
حتى ظهر بنجامين راش في أمريكا، أحد الذين آمنوا بضرورة عزل المجرمين عن المجتمع، وإعادة تأهيلهم، وبمساعدة الكويكرز، بُني أول سجن حقيقي في أمريكا، وهو walnut street وكان يعرف باسم إصلاحية.
ازدحام المساجين نتج عنه الاتجاه لبناء سجون كبيرة، مثل السجن الشرقي في فلادلفيا، والذي تغيّر فيه تصميم السجن جذريًا، واتبع السجن الشرقي فكرة عزل المساجين عن بعضهم البعض، لمنعهم من تكوين عصابات، أو منظمات، أو تفكيرهم في الهرب.
في الغرف كان المسجون يقوم بعمله في صبغ الملابس أو صناعة الأحذية، لكن تصميم هذا السجن كان مكلفًا جدًا، في وقتها كان أغلى مبنى في الولايات المتحدة، فقد تكلف 770.000 دولارًا.
في عام 1820 طبّقت نيويورك نظامًا يسمى نظام الصمت؛ وهو يعني العمل طوال النهار، والحبس الانفرادي بالليل، وكل ذلك يتم في صمت إجباري، وأشهر السجون التي طبّقت هذا النظام هو سينج-سينج، وهو أول سجن يطبق نظام الزي الموحد للمساجين، أبيض في أسود، باعتباره نوعًا من أنواع المراقبة، عُرف سينج-سينج بالمارشات، والكرسي الكهربائي، والغرف الصغيرة جدًا، والصمت، وصُمم السجن بطريقة ما تسمح للسجان بفتح أبواب الزنازين كل في نفس الوقت بحركة واحدة.
أشهر السجون بالمغرب..
قبل أن تظهر السجون في المغرب كانت الدور والأقبية السرية والدهاليز تحت الأرض أمكنة للاعتقال. كما تحولت القصبات والأبراج في مرحلة من المراحل إلى سجون للضرورة مثل قصبة الوداية، التي أصبحت في عهد السعديين مكانا لاعتقال الأسرى الأجانب بسبب قربها من البحر وسهولة إيداع السجناء بها. وعرف المغاربة «المطمورة»، التي كانت تستخدم لخزن الحبوب عند عموم الناس، لكنها أصبحت أيضا أمكنة لسجن المجرمين العتاة. كما أطلق على السجن في المغرب في العصور الماضية اسم «البنيقة»، التي تعني المكان الضيق الذي لا يدخله الهواء.
لكن جميع هذه السجون لم تكن معروفة لدى الكثيرين ولم تنل شهرة واسعة، ما عدا استثناءات قليلة عرفت على نطاق واسع بسبب كتابات الأوروبيين عنها ممن مروا بها أو وقفوا عليها، كما هو الحال مع سجن” قارا” الذي بناه المولى إسماعيل في مكناس. ويرجع سبب ذلك إلى أن المغرب لم يعرف سجونا بالمعنى المتعارف عليه اليوم، إذ كانت جل المعتقلات عبارة عن أماكن خاصة مأهولة أو تستعمل لأغراض أخرى، وكانت في الغالب الأعم تحت سلطة القواد المحليين التابعين للسلطان، ولم تكن سجونا سلطانية، مما كان يجعل من الصعوبة التعرف عليها، خصوصا أن بعضها كان يستعمل مرات قليلة فقط ثم ينتهي العمل بها كسجن بعد ذلك، بسبب القلاقل الاجتماعية العابرة أو الاضطرابات السياسية المرتبطة بظروف معينة.
غير أن بعض السجون، سواء منها الخاصة أو التابعة للمخزن في المركز، لقيت انتشارا واسعا، ويرجع ذلك إما إلى إيوائها أشخاصا لهم مكانتهم في تاريخ المغرب مثل السجن الذي اعتقل فيه الشاعر الأندلسي المعتمد بن عباد، الذي جيء به من الأندلس أسيرا وسجن في أغمات وتوفي ودفن بها، أو لكونها كانت تتسع لآلاف السجناء، مما أعطاها صورة مرعبة لدى العامة، مثل سجن المولى إسماعيل أو سجن تازمامارت، أو لارتباطها بالصراع السياسي بين الفرقاء كما هو الحال بالنسبة لدار بريشة بتطوان، الذي ارتبط بحلقات الصراع على الهيمنة ومحاولة فرض الحزب الوحيد في مرحلة ما بعد الحصول على الاستقلال. والملفت للانتباه أن أشهر هذه السجون على الإطلاق هي تلك التي كانت خارج الإطار المؤسساتي السجني الذي ينظمه القانون، والذي يقع على هامش الدولة ولا تعترف به. فهذه السجون السرية كانت عبارة عن مراكز سرية للاعتقال غير معترف بها رسميا، مما كان يجعل من الصعب الاعتراف بالموجودين فيها كمعتقلين أمام القانون، كما هو الحال بالنسبة لمعتقل الكاب 1 أو الكوربس أو درب مولاي الشريف أو قلعة أكدز وغيرها من مراكز الاعتقال السري.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News