هل تعلم الحكومة أن معاش التقاعد يفتح باب الفقر

المحرر12 يوليو 2026Last Update :
هل تعلم الحكومة أن معاش التقاعد يفتح باب الفقر
عبد اللطيف شهبوب

المسؤولية :عبد اللطيف شهبوب
يغادر الإنسان مهنته الى مرحلة التقاعد بعد أن تكون استنزفت شبابه، وامتصت صحته، وسرقت من عمره أجمل سنواته. بأجور هزيلة لا تعوض قسوة الحياة، كان أملنا ان فترة التقاعد ستكون مرحلة تكريم، لا مرحلة إذلال.
لكن الحقيقة جاءت أكثر قسوة مما تصورنا.حيث تحول المتقاعد ومعاشه في نظر الحكومة إلى رقم منسي، وإلى ملف أُغلق، وإلى صفحة طواها الزمن.المعاش الذي لا يشبه سنوات الخدمة، ولا يشبه التضحيات.
معاش هزيل… شاحب… بالكاد لا يقاوم غلاء المعيشة، وكأنه لا يمثل حقاً اكتسبه صاحبه بعرق السنين، بل منحة يتلقاها على استحياء.
أي عدالة هذه ؟! يقف فيها المتقاعد عاجزاً عن حماية نفسه من الفقر؟
أي إنصاف هذا الذي يجعل المتقاعد عاجزاً عن حراسة كرامته في شيخوخته؟ و المأساة الحقيقية لا تبدأ يوم التقاعد…بل تبدأ يوم يكتشف المتقاعد أن معاشه لا يكفي ليعيش حياة إنسانية.
حين لا يستطيع أن يجلس في مقهى مع أصدقائه لأن ثمن فنجان القهوة أصبح عبئاً على ميزانيته ، حين يخجل من اصطحاب زوجته وأحفاده إلى شاطئ البحر، لأن نزهة متواضعة أصبحت حلماً مؤجلاً.حين يقف أمام واجهة وكالة أسفار، فيتأمل صور المدن والبحار، ثم يبتسم بأسى، لأنه يعلم أن تلك الصور خُلقت لغيره ،حين يصبح شراء الدواء معركة ، ودفع فاتورة الكهرباء أزمة.واقتناء ملابس جديدة في العيد أمنية مؤجلة.
أي تقاعد هذا؟إنه ليس تقاعداً…إنه انتقال من خدمة الوطن إلى عالم الفقر.
إنه حكم بالسجن داخل دائرة الحاجة.إنه عقوبة اجتماعية تصدر في حق متقاعدين لم يرتكبوا ذنباً سوى أنهم أفنوا أعمارهم في خدمة دولتهم.
وفي المقابل…حين ننظر إلى تجارب دول أخرى، نجد أن كثيراً من المتقاعدين يعيشون مرحلة جديدة من الحياة. يسافرون، ويتجولون بين مطارات العالم، ويستمتعون بالبحار والجبال، ويقيمون في الفنادق، لأن أنظمة التقاعد هناك صُممت لتحفظ كرامة الإنسان بعد سنوات العمل.
ليس لأنهم أكثر وطنية…ولا لأنهم أكثر تضحية…بل لأن دولهم أدركت حقيقة بسيطة، وهي أن تكريم المتقاعد لا يبدأ أثناء الخدمة، بل بعد انتهائها.
فما قيمة وطن يطلب من أبنائه أن يضحوا بكل شيء، ثم يتركهم عند أول محطة من الشيخوخة يصارعون الفقر والوحدة والمرض؟
إن المتقاعد لا يطلب قصراً…ولا يطلب سيارة فاخرة…ولا يطلب حياة المترفين…إنه يطلب فقط أن يعيش دون خوف من نهاية الشهر.وأن يشتري دواءه دون أن يستدين. و أن يجلس في مقهى دون أن يحسب عدد القطع النقدية في جيبه.أن يأخذ أبناءه أو أحفاده في نزهة بسيطة إلى البحر، دون أن يشعر بأنه ارتكب مغامرة مالية.إنه يطلب الكرامة…والكرامة ليست امتيازاً…بل حق.
لقد آن الأوان لإعادة النظر في فلسفة التقاعد، لأن المعاش ليس رقماً في كشف الحساب، بل هو مقياس أخلاقي لوفاء الدولة تجاه من خدموها.
فالوطن الذي يكرم شهداءه، يجب أن يكرم أيضاً أحياءه الذين استنزفوا أعمارهم في خدمته. والوطن الذي يطالب أبناءه بالوفاء، عليه أن يكون أول الموفين لهم. إن الأمم لا تُقاس فقط بما تبنيه من طرق وجسور ومبانٍ، وإنما تُقاس أيضاً بالطريقة التي تعامل بها رجالها عندما يضعف الجسد، ويشتعل الرأس شيباً، وتصبح العصا رفيق الطريق.
فإذا كان المتقاعد قد أمضى عمره في خدمة بلده فمن حقه أن يجد عند نهاية الرحلة، وطناً يحافظ على كرامته.
وللحديث بقية

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Comments تعليق واحد
Type a small note about the comments posted on your site (you can hide this note from comments settings)
  • رشيد
    رشيد 12 يوليو 2026 - 10:46

    أحسنت النشر كعادتك الأستاذ شهبوب الموضوع شائك و يمس فئة كبيرة من المواطنين الذين لا صوت لهم للأسف سواكم و بعض الكتاب الأحرار الذين يحسبون على رؤوس الأصابع

Breaking News