القدرة الذاتية على الإبداع

المحرر16 يونيو 2025Last Update :
القدرة الذاتية على الإبداع
عبد اللطيف شهبوب

المسؤولية: ع اللطيف شهبوب
الأصالة ليست رصيدا تاريخيا وحسب، وإنما هي الإرادة والقدرة الذاتية على الإبداع، والمعاصرة ليست ذوبانا في الآخر، وليست استسلاما له، وإنما هي تفاعل خلاق مع مستجدات العصر و معطياته في ضوء مستقبل نرسمه بإرادتنا، ونصوغه من خلال رؤيتنا للذات وللعالم، وهي معاصرة حقيقية بلا جذور ثقافية.
ولأن الإبداع بمفهومه لا يمكن ممارسته إلا من خلال اجتهاد إنساني فردي أو جماعي، فإن بعض ما يصيب الإنسان الفرد أو الجماعة من انتكاسات، فإنما سببه فقدان القدرة الذاتية على الإبداع، ذلك أن التخلف ليس دائما نتيجة مؤامرة خارجية، لأن بعضا من مسبباته يمكن فهمها على أنها داخلية نابعة من ممارسات غير سوية، سواء تعلقت بتربية الإنسان ككائن بيولوجي واجتماعي أو بتكوينه ككائن حضاري، أي من خلال عدم القدرة على ممارسة الإنسان لدوره في صناعة تاريخه الخاص. لذلك فإننا نجد أن الملوك دائما ما اهتموا بدعوة المفكرين إلى تناول موضوع الأصالة من تاريخ النوع البشري، لأنهم كانوا يدركون أن تناول هذا الموضوع من زاوية معرفية، وهو الذي يهدف أيضا لمقاربة المسألة الحضارية من جهة فكرية ومنهجية.
إن القدرة الذاتية على الإبداع الحضاري هي التي تشكل شرطها، إذ لا يمكن الحديث عن معاصرة حقيقية، بدون خلفية تاريخية صلبة، تجعلنا نتماهى مع معطيات الحاضر الذي نعيشه، وإلا فإننا نكون قد انفصلنا عن ماضينا وضيعنا مستقبلنا، فلا نحن نحيا حاضرنا، ولا نحن نعرف كيف نستشرف مستقبلنا، لأن الممارسة الثقافية ما هي إلا تعبير عن موقف من الواقع، وموقف من الذات وموقف من المستقبل، لذلك فإننا نجد أن الكثير من الباحثين في قضايا التاريخ والحضارة يعمدون إلى تتبع آليات البناء الحضاري، لكونها السبيل إلى فهم السلوك الإنساني وتحليله تحليلا علميا. ذلك أن ما يشهده العالم اليوم من تحولات متسارعة وتفاعلات معقدة على كافة المستويات، يفرض على الأفراد والمجتمعات التفكير في سبل استيعاب هذه التحولات والتفاعل معها، كما أن التحديات التي يواجهها العالم العربي على وجه الخصوص، تستوجب استحضار كل آليات التحليل وفهم كل المفاهيم، من أجل استيعاب ما يجري، واستيعاب هذه التحولات من موقع المشارك في الفعل الحضاري، وليس من موقع المتفرج، ومن ثم تجاوز منطق الاستهلاك إلى منطق الإنتاج في أفق تأصيل الفعل الحضاري وفقدان التوازن، والاستلاب القيمي والاجتماعي، والتماهي مع الثقافة الغالبة، الناتجة عن الإحالة التاريخية، والحضارية، التي تحكم كل العوامل والمصادر التي نستقي منها رؤيتنا للكون والإنسان والحياة، هذا الفقدان يؤدي بنا في نهاية المطاف إلى خلل في التوازن القيمي والمعرفي، وإلى تراجع القدرة على الإبداع في كافة مناحي الحياة، لأنه يتحقق من خلال الوعي بالذات والقدرة على الفعل.
فالإبداع الحضاري – حسب المفكر المغربي المهدي المنجرة – هو الذي يشكل شرط الحداثة، وهو الذي يمكن أن يؤصل للمفاهيم والمعايير التي يمكن من خلالها بناء نسق معرفي جديد يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وبين الإنسان والإنسان، ذلك أن الحداثة، لا تعني القطيعة مع التراث، وإنما تعني تجاوزه، أي استيعابه وتجاوزه من خلال التفاعل معه، وقراءته قراءة معاصرة وواعية، تسمح لنا بفهمه واستيعابه في ضوء مستجدات العصر.
إذا كان المبدع هو ذلك الكائن المتفرد الذي يعي جيدا واقعه، ويتفاعل مع الحاضر بوعي، فإن التاريخ المعاصر يتناول هذه المسألة الحضارية من موقع الفعل، باعتباره مسارا واعيا، يؤسس لحالة نفسية إذا لم تتحقق فقد أصيب، وصار كطفل بدون ملامح. فالمعاصرة، مطلب حضاري، يوجبها ضرورة الوجود والفاعلية، ويفرضها واقع التفاعل مع المعطى الحضاري، والانخراط في الفعل الحضاري في الواقع، هذا التفاعل هو الذي يعيد ترتيب العلاقة بين الذات والآخر، وبين الماضي والمستقبل، من أجل الحفاظ على الهوية الثقافية، بل من أجل تحقيق التكامل الضروري للنهضة العلمية والحضارية.
فالأصالة ليست رصيدا تاريخيا وحسب، وإنما هي الإرادة والقدرة الذاتية على الإبداع، والمعاصرة ليست ذوبانا في الآخر، وليست استسلاما له، وإنما هي تفاعل خلاق مع مستجدات العصر، ونهضة على معطياته في ضوء مستقبل نرسمه بإرادتنا، ونصوغه من خلال رؤيتنا للذات وللعالم، وهي معاصرة حقيقية بلا جذور ثقافية.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News