السياسة أخلاق

المحرر29 أغسطس 2026Last Update :
السياسة أخلاق
عبد اللطيف شهبوب

المسؤولية: عبد اللطيف شهبوب
لطالما ارتبطت الممارسة السياسية مع الأخلاق من خلال علاقة جدلية يصعب الفصل فيها، إذ إنهما يصبان إلى نفس الغاية. فمن بين التعاريف نجد أن «الأخلاق مجموع القيم والمثل التي توجه السلوك البشري للخير وتجنبه الشر، والسياسة هي طرق وأساليب تسيير الشأن العام لما فيه خير الناس ومنفعتهم».
وبالتالي، فكلتاهما تطلبان بناء مجتمع مبني على مبادئ وأخلاق سليمة والدفاع عنها. فأن تكون مناضلاً ميدانياً لا يعني بالضرورة تطابق الشكل والمظهر مع الجوهر والمضمون، أي ليس بالضرورة أنك تحمل بين جوانحك هموم الطبقات الكادحة التي ترتكز خطاباتك على الدفاع عنها.
فمثلاً، بإطلالة بسيطة على البرامج الانتخابية لجلّ الأحزاب المغربية، يتولد لديك إحساس بكونها جميعاً تحمل همّ الكادحين وتطلب تغيير واقعهم إلى الأفضل، إلا أن خطابها يتغير بمجرد وصولها لتدبير شؤونهم بصفة رسمية، وهو ما يعني أنها مجرد أدوات الغاية منها الفوز بالانتخابات. وهذا تطبيق لتعاليم ميكيافلي الواردة في كتابه الشهير «الأمير» حول التحلل من الضوابط الأخلاقية وإباحة كل الطرق والوسائل لتحقيق المصالح والغايات.
بمعنى أن المشهد السياسي بالمغرب، رغم التعددية التي تظهر عليه من خلال الإيديولوجيات والمذاهب السياسية المتبناة، إلا أنها ربما تكون أحادية من خلال ممارساتها. فما موقع الأخلاق في الممارسة السياسية لدى الأحزاب المغربية؟
فلكي يتفرغ الحزب للنضال على القضايا التي يتبناها، يجب عليه أولاً تقوية لحمته الداخلية، بداية من أولى قواعده متمثلة في شبيبته التي يجب تربيتها على مبادئ الحزب وأبجدياته، لكونها تمثل مستقبله وأحد الهياكل الهامة لنشر وضمان استمرار مشروعه المجتمعي، مروراً بفروعه المحلية والجهوية، ووصولاً إلى أعلى هرم التسيير داخل الحزب، الذي ينبغي عليه أن يكون قدوة لقواعده.
حيث إن قوة الحزب الداخلية ستنعكس ولا شك على صورته الخارجية، مما سيعطيه زخماً أكبر وقوة معنوية للانتصار لمشروعه الفكري والوصول إلى مبتغاه.
ولعل أهم آليات تقوية الجبهة الداخلية للحزب هي نشر ثقافة الممارسات الأخلاقية، من ديمقراطية داخلية وتقبل واحترام الرأي والرأي الآخر… إلخ، نعم داخله وبين أعضائه وفق مبدأ النقد والنقد الذاتي، «فمن العدل أن يأتي الرجل بالحجج لخصومه بمثل ما يأتي به لنفسه»، كما قال ابن رشد.
مما سيسهل عليه فيما بعد تقديمهم كمثال أو كنتيجة لمشروعه الفكري، الذي أنتج أشخاصاً صالحين لأنفسهم وللمجتمع، وقادرين على تسيير شؤون الناس داخل نسق تؤطره الأخلاق.
إن مصداقية حزب سياسي ما ترتبط أساساً بمدى تبنيه للقضايا المجتمعية، ومدى الالتفاف الجماهيري الحاصل حول برنامجه السياسي وتصورِه المجتمعي، ومدى انضباط مناضليه ومناضلاته والتزامهم.
لكنها تبقى، من حيث كل تعليل علمي للسياسة، دعوة لتجسيد مثالي للممارسة السياسية الراقية في جوهرها. فالأمر إذن يدعو إلى الاتصاف بالتجرد والنزاهة والمصداقية والإخلاص، والابتعاد عن الذاتية لتحقيق الأهداف الشمولية، واستئصال الكائنات الوصولية والانتهازية التي تسيء إلى صورة الحزب لدى العموم.
فتحقيق ما يناضل الحزب من أجله يتطلب إقناع الناس بالفكرة، وجدية ونزاهة من يطرحها.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News