
المسؤولية: رشيد معتصم
يُعدّ أبو خالد الناصري واحداً من أبرز المؤرخين المغاربة الذين ساهموا في حفظ الذاكرة الوطنية وتوثيق التحولات الكبرى التي شهدها المغرب عبر العصور. اسمه الكامل أبو العباس أحمد بن خالد الناصري السلاوي، وُلد سنة 1835 بمدينة سلا في أسرة علمية عريقة اشتهرت بالفقه والتصوف.
& مساره العلمي والفكري
تلقى الناصري تعليماً تقليدياً متيناً في مساجد وزوايا سلا، حيث درس علوم القرآن والحديث والفقه المالكي، إلى جانب اللغة والأدب. غير أن اهتمامه الأكبر انصب على علم التاريخ، إذ كان شديد الولع بتتبع أخبار الممالك والدول، واستيعاب التجارب السياسية والاجتماعية التي عرفها المغرب والعالم الإسلامي.
& كيف ألّف الناصري “الاستقصا”؟
شرع أبو خالد الناصري في تأليف موسوعته الكبرى “الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى” بدافع الوعي العميق بضرورة حفظ تاريخ المغرب من الضياع والتشويه. اعتمد في عمله على منهج دقيق يجمع بين الاطلاع على المصادر المكتوبة من كتب التاريخ القديمة، مثل مؤلفات ابن خلدون وابن أبي زرع، وبين الروايات الشفوية التي تناقلها العلماء والفقهاء وأهل الزوايا.
لم يكتفِ الناصري بالنقل فحسب، بل مارس النقد والتحليل، إذ كان يُقارن بين الروايات ويختار أصدقها وأقربها إلى الواقع. كما حرص على التوثيق الزمني المتسلسل للأحداث، من الدولة الإدريسية إلى الدولة العلوية، فجاء كتابه في عدة أجزاء ضخمة تشكل موسوعة تاريخية متكاملة.
كتب “الاستقصا” على مدى سنوات طويلة، متفرغاً للتدوين والبحث، حتى أصبح هذا العمل مرجعاً لا غنى عنه للباحثين، وواحداً من أعمدة الكتابة التاريخية المغربية.
& قيمته العلمية
ما يميز الناصري أنه لم يقتصر على السرد التاريخي فحسب، بل كان ناقداً ومحللاً للأحداث، محاولاً إبراز العِبر والدروس السياسية والاجتماعية. لذلك ظلّ كتابه مرجعاً أساسياً للمؤرخين والباحثين في التاريخ المغربي والعربي الإسلامي.
& وفاته وإرثه
توفي أبو خالد الناصري سنة 1897 بمدينة سلا، بعد أن ترك إرثاً علمياً خالداً، أبرز تجلياته كتابه “الاستقصا”، الذي لا يزال إلى اليوم مادة لا غنى عنها لكل من يرغب في فهم تاريخ المغرب.





