
المسؤولية:المصطفى دخوش الروداني
من أجلك حزين أنا هذه الليلة … السواد والظلمة تحتل هذا المكان … دمعة في مقلتي تحولت نارا … هي نفسها في قلبي اشتعلت بركانا… غصة مركبة تنحصر داخل حنجرتي توقف التنفس حتى حين … شلل يستحوذ على كل أعضائي فيصير جسدي النحيل كومة مستلقية في ركن هذا ألبيت المتواضع … من أجلك عظم الجرح وانعدم البلسم … من أجلك ياسيدة المدائن ، أيتها المدينة المتألقة عبر التاريخ والشامخة شموخ الجبال والممتدة امتداد البحار والمحتلة في كل منا عاصمة والساكنة في كل الافئدة … يا سيدة كل الحقب التاريخية … يا مدينة الحضارة والقدسية… أنت أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين … أنت مسرى النبي محمد صلى الله عليه وسلم … أنت مهد المسيح عليه السلام … يا مدينة اختزلت كل الأسماء … ياقدس … يا يبوس … يا داود … يا اوسالم … يايروشاليم … يا بيت المقدس … يا قدس الشريف من أجلك حزين انا هذه الليلة … .
حاقد انا على أقدام وحشية وأيادي لغتها الزناد والرصاص ملطخة بدم الأبرياء العزل … حاقد أنا على من حول البنايات ركام ، وقطع الأشجار ، واحرق الزرع والثمار … حاقد أنا على من أشعل النيران وأطلق الصواريخ وسمم الفضاء والبر والبحر وتلدد بقتل الأهل والأحبة ونكل بالجثث واباح لذاته أن هو القاتل والفارس الذي لا يشق له غبار … .
حزين أنا هذه الليلة على شيخ قد بلغ من العمر عتيا ، لا يملك سوى عصا يتوكأ عليها يجاري الزمن ويقتات على الخبز والشاي البارد ويروي عن شجاعة عنترة بن شداد صاحب السيف الطويل واليد التي كانت تقتل ألفا بضربة على اليمين وألفا أخرى بضربة على اليسار … يفتخر بالزمن الغابر وإبن عمومته صاحب الأنفة والشخصية القوية … شخص لا يشكو للناس جرح إن ألم به فهو يتحمل الألم بقوة الرجال ويعتبر الشكوى بمثابة منقصة وهي لا تداوي السقم … .
حزين أنا من أجل طفلة صغيرة كانت تداعب لعبتها الصغيرة أمام بيتها المتواجد بأحد أزقة المدينة فأصابتها طلقة رصاصة على رأسها وسقطت وسط كومة من الدماء وهي تعانق دميتها الجميلة … أضاف الجلاد رقما آخر للقتلى … اضيفت الطفلة الصغيرة كرقم آخر للضحايا والشهداء … لا ذنب لها سوى أنها صرخت صرختها الأولى في هذا المكان … لا ذنب لها سوى هذا الارتباط الروحي والتاريخي بهذه التربة النقية الربانية ، هذه الأرض المقدسة الطاهرة … قدرها أن تعانق الموت وهي لازالت تحبو وتتعلم أباجديات الحرف والكلام … .
حزين أنا هذه الليلة على شاب يافع كان يبحث على ضوء القمر وسط ظلمة حالكة شعارها السواد … قرأ الأسفار القديمة وتعلق بتاريخ الآباء والأجداد وصدع صوته بترديد أغاني الحرية والقومية العربية … لأنك انقى من دمعة طفل وأطهر شاء الجبروت أن تتحول ذاتك أشلاء متفرقة جراء القذف والتفجير المدمر الهمجي … شاءت الأقدار أن يعثر الأخوة والأحبة وسط الأتربة والدمار على يدك اليمنى وهي تقبض بعنف على ورقة ممزقة من ديوان <> تحمل بعض الأشعار :
السر في مأساتنا
صراخنا أضحم من أصواتنا.
سيوفنا أطول من قاماتنا
خلاصة القضية
توجز في عبارة
لقد لبسنا قشرة الحضارة
والروح جاهلية
وعلى يدك اليسرى أبيات من قريض كلها جرح وألم ، قافيتها مدوية ممزوجة بالدم وجوهر معناها كله طعن وهزيمة :
انا متعب بعروبتي
فهل العروبة لعنة وعقاب ؟؟
أمشي على ورق الخريطة خائفا
فعلى الخريطة كلنا أغراب …
من أجلك يا سيدة المدائن حزين أنا هذه الليلة ، اخيط معاناتي ومأساتي بالكآبة والحزن … أنا من ركب الدمع من مادة الملح وصرت أبكي كطفل صغير فقد ثدي امه … أبكي و يبكي معي أهل وأصحاب الحرف العربي … أتساءل ما سبب هذا الإنكسار ؟؟.
ما سبب هذا الذل والحسرة والعار؟؟
ماسبب هذه النكسة والهزيمة ؟؟ .
وضعت السؤال أبحث عن الجواب بحرقة ولوعة الباحث المتعطش للمعرفة والغور في كنه الأشياء ، سبحت في عمق الواقع المعيشي وأبحرت بين خطوط وأوراق الكتب القديمة … خبرني كتاب <> بشيء عجاب ، إبن خلدون أيها السيد الذي يحتل في المعرفة وعلم الإجتماع مساحة تتميز بالعمق والتنوع … إبن خلدون سيد الإهتمام بالعلاقات الإنسانية والتفاعل بين الأفراد في المؤسسات والمجتمعات … خبرني قولك فك لغز سؤالي وتبيان إشارات عميقة للجواب … أنت من قال أنه عندما تنهار الدول يكثر فيها المنجمون والمتسولون والمنافقون والمدعون والقوالون والمغنون النشاز والشعراء النظامون والمتصعلكون وضاربو المندل وقارعو الطبول والمتفيهقون وقارئوا الكف بالطالع والنازل والمستسيون والمداحون والهجاؤون وعابروا السبيل والانتهازيون فتنكشف الأقنعة ويختلط مالا يختلط ، يضيع التقدير ويسوء التدبير … خبرتني كتاباتك أن حلت العاصفة الرملية توزع كثبانها على كل الوجوه انكسارات وحسرة … أنت من قال يموت الأمل وتزداد غربة العاقل وتضيع ملامح الوجوه ويضيع صوت الحكماء في ضجيج الخطباء والمزايدات على الانتماء ويصبح الكل في حالة تأهب وانتظار ويتحول الوطن إلى محطة سفر … آه يا إبن خلدون لقد عثرت على كل الدلالات الإيجابية والخيوط المتشعبة التي تجيب عن سؤالي المحير … كأنك واحد من أبناء هذا الزمن المتردي أفصحت عن تنبؤات نراها اليوم بأم العين … كأننا نسافر عبر الزمن وكأنك واحد من هذا الزمن … دعني بإبن خلدون أجهر علانية لقد صدقت تنبؤاتك … .
من أجلك أيتها المدينة الحزينة حزين أنا هذه الليلة … وسيمتد حزني عبر القادم من التاريخ حتى يأتي الجيل الذي سيهزم الهزيمة ، ولهذا الكلام تتمة … .





