
المسؤولية :المصطفى دخوش الروداني
شوط اخر من مجموعة من الاشواط اعتبره الشوط الثاني من هذه الخاطرة التي شئت ان اعنونها ” شيء يسمى التقاعد ” … هكذا أردت أن افتح نافذة هذا الموضوع الذي يكتوي بناره أناس في احلى ايام العمر … استهل هذه الكتابة برفع القبعة والوقوف وقفة احترام وإجلال وتقدير الممزوج بالمحبة الخالصة لاخي وزميلي السيد الفاطمي الذي يستعد هذه الأيام لمغادرة الإدارة التي افنى فيها أيام عمره … يستعد لاحتضان هذا الشيء الذي يدعى تقاعدا… يستعد للانطواء جانبا والابتعاد عن هذه الحيطان التي ضمته سنوات طويلة حتى صارت جزءا ليس بالهين من حياته اليومية … يستعد للابتعاد بعيدا وتعويض هذا الأجر الزهيد الذي اقتات منه واستخلص عبره كل مستلزمات الحياة بهذا الشيء الذي سمي مجازا بالمعاش …
التقاعد .اخي الفاطمي ليس بالمعني الاستهزائي وبالسخرية اللفظية التي تحمل دلالات مت وأنت قاعد ، انصرف فانت لم تعد تصلح لأي شيء ولا مكانة لك في اتخاذ القرار وصنعه وصياغته وإخراجه للوجود وابرازه للعيان ، لا يقينا ليس بهذا المعني ولا هذا التفسير ولا هذه السلبية … التقاعد بمفهوم أنه مرحلة جديدة من العطاء المرتبط بالخبرة والتجربة وكنوز المعرفة … التقاعد بمعنى الاستفادة بعنفوان وكرامة وكبرياء … بمعنى أن أراك تحيى عيشة أخرى تتفرغ فيها لذاتك وصحتك وتحقيق أحلامك : حلم العمر الذهبي …
1. أعوذ حيث انتهيت في الخاطرة السابقة واستأنف الكلام والحديث عن شخصية رفيقي الذي ولج المؤسسة التي يشتغل فيها بدعوة من رئيس الموارد البشرية … بخطى ثابتة وصل الفاطمي إلى عين المكان … بوقفة حازمة بالرغم من أنه يقف على إثنين ويستند على العصا شعر بشيء من الارتجاف ودوخة عابرة … طرق باب المكتب بيد مرتعدة وأدن صاغية تنتظر سماع الإذن بالدخول … ولج الفاطمي إلى الداخل وعيناه تحملق في وجه المسؤول بحياء وفزع وحتى شيء من الخوف والهلع… نفس الشخص الذي يعرفه منذ ولوجه دوالب هذه البلدية … لم يغادر هذا المبنى ولم يفارق هذا الكرسي الذي يمتطيه منذ سنوات حتى امسى يعتد من ممتلكاته الشخصية … خبر المنصب بكل حيثياته الصغيرة والكبيرة … يمتلك دراية كبيرة بكل أساليب التحكم والقمع والسلوك المشين … بتكبر يتسلط على كل الأعوان البسطاء همه فرض الهبة والوقار المصطنعين حتى أصبح مجرد ذكر اسمه يثير الاشمئزاز في هذه الشريحة البسيطة التي تعاني ويلات الخصاص والامية … خبر الكرسي باتقانه لكل الممارسات القدرة والسلوك المشين من النفاق والشقاق وخلق المكائد والانبطاح والتودد لمن هم أرقى في السؤولية أهل القرار والتعينات في المناصب … خبر المنصب بوضع وصنع الدسائس عند دوي الأمر ضد الأخيار الذين يتمتعون بالمؤهلات والسلوك الحسن والمصداقية للنهوض بالمردفق العام حتى يكون في مستوى تطلعات المرتفقين والاعتناء بالموارد البشرية اساس كل عمل تنموي … خبر الاهتمام بهندامه وربطة عنقه والجلباب الابيض يوم الجمعة وفي الأعياد والمناسبات الرسمية … خبر التكبر الطافح البادي للعيان فعادة المتكبر أن يتكبر عله بتكبره يسد النواقص والقدرات والاهلية وانعدام التمكن من الشأن القانوني والاداري … ظل الفاطمي واقفا هنيهة تخيل له انها وقت طويل وبدا أن الزمن لا يريد أن يتحرك وعقارب الساعة كصخرة هامدة جامدة ودقات القلب زادت سرعة وخفقان واد بصوت الرئيس يصدع داخل داخل هذا المكتب : ” تفضل ، اجلس السي الفاطمي ، كيف هي احوالك ؟؟ لا بأس؟؟ …” تردد زميلي في الجلوس والإجابة… تردد تخفيه معاليم وجهه الذي تورد وجبينه الذي تصبب عرقا ورجلاه التي لم تعد تتحمل خفة وزن جسده النحيل لولا ائتمانه على العصا التي يتوكأ عليها لهوى فوق هذه الزربية التي تزين ارض المكتب … شيء عادي ومنتظر أن تفعل هذه الشخصية المتعجرفة فعلها على شخص مثل الفاطمي الرجل البسيط المسالم والعاشق للسكون… شيء عادي أن يشكل جبروت هذا المريض عقدة نفسية على هذا العون ورثها طوال سنوات الخدمة حتى ترجمت لديه إحساسا رهيبا لا مثيل له من الخوف والهلع والفزع … تقدم الفاطمي نحو الكرسي المتواجد جانب المكتب وجلس وعيناه لا تبارح هذا الوجه القاسي الذي تنبعث منه الشرارة والقساوة ، جلس وهو يجيب بصوت خافت يكاد لا يسمع : ” لا بأس سيدي ، الحمد لله … ” . اختلطت لديه الأشياء وتراكمت التساؤلات ودخل في حيرة عميقة كعاقل يحاول ان يحل الالغاز ويجد منطقا وأجوبة لهذه الحركات والاسلوب اللذين لم يالفهما من هذا الرجل وهذا الخطاب الودود الذي يحمل مشاعر الإهتمام والعناية بالآخر … الفاطمي لم يعتاد أن يناديه رئيس الموارد البشرية بلفظ ” السي ” وإن يشير له بيديه قصد الجلوس بكل تفضل وترحاب ويساله عن أحواله الشخصية بكل مودة وايخاء … ماذا تغير وأي شيء استجد هذا الصباح حتى غدى هذا الصوت المبحوح الذي عادة ما سيصدر الفاظا خشبية وكلاما قبيحا وتوجيهات نارية ؟؟ كيف غدى صوتا رطبا يخرج من الفاه كأنه نغمة موسيقية ممزوجة بلحن عذب يسر الأدان الصاغية… في هذا التشتت الذهني والقراءات والتحليلات التي تسارعت فيما بينها داخل هذا الرأس الممتليء بالهم والصداع كسر الرئيس خلوة صاحبنا بمداخلة أخرى : ” ستفتقدك الإدارة أيها الرجل المثابر الخلوق المتمرس الجاد الذي لا يعرف الغش والتحايل عنوانه … ” تصبب العرق بغزارة مرة أخرى على جبين الزميل الفاطمي لهذه المجاملة والمبالغة في المدح والاثراء إلى درجة لا تصدق والى مستوى لم يالفه ولم يتخيل سماعه خاصة من رجل كهذا … تساءل سؤالا داخليا بكل البراءة التي يحملها جسده النحيل ويداه البريئتين براءة الصغار : ” ما السر في هذا الاطناب ؟؟ وما الغاية من هذا الاطراء والمدح ؟؟ وما هذا التغيير في المعاملة الغير المنتظر ؟؟ وكيف تحولت الكلمات الفظة إلى معاني تحمل بين طياتها قمة العطف والحنان ؟؟ ” أسئلة ظلت تخامر ذاكرته ولم يجد لها تحليلا ولا أجوبة حتى بادره الرئيس بابتسامة عريضة قائلا : ” هنيئا لك السي الفاطمي لم يتبقى لك سوى ثلاثة أشهر كيف تستفيد من حقك في التقاعد ، استدعيتك اليوم قصد الشروع في تهيء الوثائق المتعلقة بهذا الموضوع … ” ما أن انتهى من كلامه حتى مده بورقة تتضمن مكونات الملف … تسلمها بيد ترتجف ولم يعلق فهو لا يفهم القوانين الإدارية ولا يقرأ ، تأمل الحروف المتشابكة فيما بينها وبدت له كأنه رسم بياني يجسد الاربع وثلاثون سنة من العمل المضني والاجر الزهيد وضيق الحال وشعر بدمعة تنزل على واجنتاه لكنه هذه المرة علق داخليا أن انتهى العمل ، ولهذا الكلام تتمة …





