شيء يسمى التقاعد ..( الشوط الأول)

المحرر3 أغسطس 2025Last Update :
شيء يسمى التقاعد ..( الشوط الأول)
المصطفى دخوش الروداني

المسؤولية: المصطفى دخوش الروداني
دعني أخي وزميلي السيد الفاطمي وانت تستعد هذه الأيام أن تغادر هذه المؤسسة التي جمعتنا سنوات طوال … دعني أصيح بأعلى انساغ حلقي وأجهر ملىء السماء واضعا هذا السؤال المزعج من هو المتقاعد ؟؟ هل هو ذلك الشخص الذي لا يعمل طوال السنة ؟؟ هل هو شخص يحصل على معاش ؟؟ هل هو شخص يصل لسن يحدده المجتمع أو المشرع ؟؟ … هل صحيح أن مفهوم التقاعد يعني مت وانت قاعد ؟؟ أم أنه مرحلة جديدة من العطاء بالخبرات والتجربة وكنوز المعرفة … اتركني أهمس في ادينك قائلا إنها مرحلة أخرى من العمر يمكن تسميتها مجازا بالعمر الذهبي … أخي الفاطمي عنك احكي وعبرك أروي عن كل الاحبة والزملاء الذين شاركت معهم لحظة عمل ونضال وانصرفوا في يوم ما بعيدا عن الوظيف ومهام الوظيفة …
ها انت السيد الفاطمي تدخل هذا المبنى القديم الذي الفته منذ سنوات … تلجه بخطى متتاقلة غير تابثة وانت تحسس هذا الجسد الذي نخرته السنوات تجرعت خلالها كل انواع العلل والالام … تقذف رجلك اليمنى وتخالفها باليسرى دون تركيز كي تصعد هذا الدرج المتاكل وقد خلف وراءه شظايا اسمنتية هي بمثابة ثقوب وحفر … تصعد وانت تتكأ على هذه العصا التي ما فرقت يداك مخافة أن تسقط … تصعد هذا السلم وانت تستمع لدقات قلبك المتسارعة وكأنه يريد أن يخرج من هذه الذاة الهزيلة يبحث له عن مساحة أوسع وأرحب … تصعد وأنت من ألف النزول بكل المعاني التي تحمل دلالات المحن والعذاب والانهيار … تصعد الدرج وانت مثقل بالهموم بجسد ضعيف ورأس غزاه الشيب يحكي ما فعلته بك السنون ووجه شاحب يعلوه الاصفرار بتجاعيد منكمشة غيرت ملامحك الاصلية إلى درجة أنك صرت شخصا أخر يخطيء صورتك من يعرفك … تصعد وأنت مدعو اليوم إلى مكتب الموارد البشرية المتواجد بهذا المبنى العتيق الموصد بباب حديدي كتب على جداره ” بلدية الحي ” لازال يحافظ على هندسته القديمة ونوافذ الخشبية وشقوقه المتصدعة كأنه يحمل نفس معاناة جسدك النحيل ، كأنه يترجم أحاسيسك المرهفة والحزينة وجراحك المألمة ودموعك الفياضة على ماقي وجهك الحزين … هكذا أنت ، لا تعرف للمسرات عنوانا ولا بابا ولا نافذة كانك من بنى جدارا اسمنتيا بينه وبين الفرحة …
ها أنت تتسلق الدرج المؤدي إلى مكتب السيد المشرف على الموارد البشرية بهذه البناية التي شاءت الأقدار أن تنتمي لها ، تسدي خدمة كلها تعب ومحن وعرق وأحيانا إهانات لفظية . وسلوكية مقابل هذا الاجر الزهيد الذي يشكل قمة الإهانة والتذمر وانعدام الكرامة …
ها انت تتسلق الدرج وداخل عقلك تتأرجح آلاف من الأسئلة … سؤال ينسيك في الآخر لا تعلم سبب المجيء والاستدعاء إلى هذا المبنى الذي عادة ما يحمل الأخبار السيئة والمشؤومة … هنا لا لغة تعلو على لغة الاستفسارات والاقتطاعات من الأجر – إن سمي فعلا اجرا – والتنقلات من مصلحة إلى اخرى دون مبرر ولا إقناع … ولأن الأمر كذلك فإن النوم استعصى على عينيك الضيقتين الشاحبتين منذ اخبرت بالالتحاق إلى الإدارة المركزية لأمر هام وبصفة استعجالية … خبرت وتكهنت كل الاحتمالات وحاولت أن تتنبأ سبب هذه الدعوة لكنك لم تجد الجواب الشافي كل ما تشعر به هو هذا الضيق الذي يخنقك وهذه الدقات القلبية المتسارعة وهذا الدوران والصداع الذي يسكن رأسك وانت تكابد بمرارة حتى لا تنهار وتسقط … منذ البارحة وأنت تستحضر كل السيناريوهات الممكنة ذون أن تجد الجواب عن هذه الاسئلة التي استحوذت على مخيلتك الضعيفة فأنت شخص يحب أن يمشي جنب الحائط كما يقال … شخص منضبط يحترم نفسه وأوقات عمله … شخص يحاول أن ينفد كل ما يطلب منه بجد وانضباط … بعيد عن خلق المشاكل والمتاعب فيكفيه هم الدنيا التي ما اعطته سوى الأحزان والمعاناة …
تجاوز الفاطمي الدرج والعرق يتصبب على الجبين واليد ترتجف وهي ممسكة بالعصا واتجه نحو هذه الساحة التي تقود إلى مكاتب المبنى المصطفة الواحدة تلو الأخرى … يتجه إلى مكتب الموارد البشرية وهو مسلح بايمان قطعي ماذا يمكن أن يحدث أكثر مما هو واقع ؟؟ وأي قرار قد يتخذ في حقه بعد هذه السنوات الطويلة بشهورها وأيامها وفصولها المتعدده ؟؟ وأي محنة جديدة ستنظاف إلى محنة ؟؟ … لقد الفت هذه الذاة الضعيفة وهذا الجسد الذي اقتات منه العمر ودمرته السنين ، الفت أن تعانق الأوجاع والالام وتبتعد عن الاحلام السرمدية والأفراح والمسرات الوردية …
بخطى تابثة وصل الزميل الفاطمي إلى عين المكان … بوقفة حازمة بالرغم من أنه يقف على إثنين ويستند على العصا شعر بشيء من الارتجاف … طرق باب المكتب بيد مرتعدة واذن صاغية تنتظر الإذن بالدخول … ولج الفاطمي إلى الداخل وعيناه تحملق في وجه السيد الرئيس … نفس الشخص الذي عرفه منذ ولوجه دوالب هذه البلدية … لم يغادر هذا المبنى ولم يفارق هذا الكرسي الذي يمتطيه منذ سنوات حتى صار يعتد من ممتلكاته الشخصية … خبر المنصب بكل حيثياته الصغيرة والكبيرة ، يمتلك دراية كبيرة بكل أساليب التحكم والقمع والسلوك المشين … بتكبر يتسلط على كل الاعوان البسطاء همه فرض الهيبة والوقار حتى اصبح مجرد دكر اسمه يثير الفزع في هذه الشريحة البسيطة التي تعاني ويلات الخصاص والامية… خبر الكرسي باثقانه لكل ممارسات النفاق والشقاق والانبطاح لمن هم أرقى منه في المسؤولية اصحاب القرار والتسيير … خبر المنصب بوضع الدسائس والمكايد عند المسؤولين ضد الاخيار الذين يملكون كل المؤهلات والسلوك والمصداقية للنهوض بالمرفق العام حتى يكون في مستوى تطلعات المرتفقين … خبر ارتداء الثياب المجكرشة الملونة صحبة ربطة عنق أنيقة طيلة أيام الأسبوع والجلباب يوم الجمعة وبتكبر طافح باد للعيان فعادة المتكبر أن يتكبر عله بتكبره يسد فراغ كل الإيجابيات التي لا يتحصل عليها ولا يمتلكها … صاحبنا يؤمن بمقولة ثيابك يرفع من مقامك قبل وبعد جلوسك ولهذا الكلام تتمة والباقية تأتي في الشوط الثاني …

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News