القصيدة صوت واحساس

المحرر12 أغسطس 2024Last Update :
القصيدة صوت واحساس
القصيدة صوت واحساس
المصطفى دخوش الروداني

عادة العنوان دال على مضمون النص … يختزل ويختصر كل المعاني المتضمنة في الموضوع  . .. قد يحيل على جوهر الفكرة المراد إيصالها إلى شخصية المتلقي … أحيانا قد يكون العنوان مجرد إشارة الغاية منها شد انتباه القاريء  … <<  القصيدة صوت وإحساس >>  ليست مقالة نقدية تحليلة بقدر ماهي خاطرة ذاتية تحاول الوقوف عند أحاسيس وعواطف النص الشعري والانصات لصوت القصيدة  … تجعلها آدمية تتميز بالشعور البشري  تفرح و تقرح  ، تبكي وتضحك  ، تصح وتمرض ، تتألم و … إنها خاطرة تجعل من نظم الشعر جمرة تحرق الأيادي النقية المولوعة بكل الصور البلاغية والقوافي والأوزان الشعرية … خاطرةتجعل من حمق الكتابة بلاء لا يشعر بآهاته إلا من عشق الحرف وعالم الإبداع والفن … خاطرة أخرى في وقت آخر  … لحظة أخرى بهم واحساس  آخر … حول مضمون ومعنى آخر  … خاطرة تغازل الحروف وتداعبها وتلاعبها كأنها اكتشفتها لأول مرة كطفل صغير يتحسس ثدي أمه لأول مرة خاطرة بإحساس مختلف تشفق وتحن أحيانا وتقسو كفعل الطبيعة أحيانا أخرى  … خاطرة لا ترتبط بطقوس معينة ، لا ضياء النهار ولا نجوم السماء ولا ظلمة السواد القائم ولا أسرار الهزيع الثاني من الليل ولا كوابيس الأحلام  … خاطرة تحول المسودات الأولى المكتوبة بقلم الرصاص إلى نثر جميل مشكل ومنقوش بحبر أسود أو إلى قصيدة شعر زاخرة تحمل كل ألوان الدنيا وتتميز  بلونها الذي لا يشبه لون أحد …. خاطرة قد تتحول إلى صوت قصيدة  ، إلى صدر وعجز ممشوق بوزن جميل ولحن عذب عميق الدلالة والإحساس … أنا عاشق للشعر إلى درجة الدوبان  … والشعر إحساس والتزام وجمال … تعبير عن الحياة بطابع وجداني كله معاني ورموز واستعارات … القصيدة فوق المناسبة والمجاملة… فوق الوصف الخالي من الشعور والإحساس …  بمعنى إجمالي القصيدة خزان للغة وترجمة للدواخل بالصدق والمروءة الحقيقية ….

لنظم القصيدة عدة أبواب … كل باب ينسيك ويدلك على باب آخر … تعددت طرق النظم واختلفت المعاني والدلالات وتبقى القصيدة سيدة الإبداع الأدبي  ، صاحبة التاج المرصع بكل أنماط الذهب واللؤلؤ والمرجان ، الساكنة في أعماق العشاق المهوسون بالأشعار وتلاوين الحروف المزخرفة والقواعد البلاغية والبيان والتبيين … الموشومة في ذاكرة أهل القوافي والأوزان تتملكهم القصائد ويعطون للكلمة حقها ولا يبخسون عمق معناها ويتغنون بالحرية والجمال ….

القصيدة وصف للحال وتجاوز للواقع تصنع لذاتها مقاما لايعرفه ولا يتلدد به ولا يكتوي من ناره إلا أهل الشعر … مقام يحس به أصحاب الحرية والاختيار والقدرة على صنع واتخاذ القرار … مقام بدلالات عميقة مستنبطة من متخيلة عمقها عمق البحار  وأفقها أفق  سراب كما دنوت منه زاد بعدا وفرارا  وطولها حد البصر الذي لا ينتهي  … .

من قال أن للقصيدة وجه واحد ؟؟ … في تقديري أخطأ وغابت عنه أشياء ونظر للأمر نظرة تبسيطية ميكانيكية … نظرة من زاوية واحدة … دلالة واحدة  … عمق واحد … معنى واحد  … للقصيدة وجهان  ، الوجه الأول  : وجه المبدع الذي أبدعها وروض حروفها وقافيتها وضبط إيقاعها وأوزانها وحملها مشاعر صادقة مهما خلصت نيته لوصفها وبعثها للمتلقي تبقى ناقصة ، فالقصيدة فضاء بلا بداية ولا نهاية ،  كبيرة في حجم الكون  وصغيرة كمتخيلة داخل الرأس حجمها حجم حبة جوز … .

الوجه الثاني  : وجه الملتقي ، القاريء الذكي  ، العاشق الولهان  ، المغرم بالكلمة والنظم ، الباحث عن الدلالات وعمق المعاني ،  صاحب الأحاسيس الرهيفة  ، المتيم بالجمال والصيغ البديعية والإستعارات والرمزية والكتابات الحلزونية  ، الجاعل من  القصيدة بلسما تداوي الجراح وتسكن الآلام وتحقق الأحلام حتى وإن كانت سرمدية … .

من قال أن للقصيدة  صوت وقراءة واحدة ؟؟ … للقصيدة أكثر من ذلك  … قرآءة لا يعلم خباياها سوى الشخص الذي أنتجها وأنسج خيوطها وقوم مضمونها  وصنع قافيتها وأوزانها وحقق حلمها في ثناياها فهو الواحد العارف بأسباب ودوافع نزولها ونظمها … قرآءة ثانية تعني شخص المرسل إليه  ، العاشق للكلمة إلى درجة الجنون والباحث عن الذاة في مضمون القصيدة والقادر على استخراج المعاني الحقيقية وقراءة ما بين السطور لما يتوفر عليه من دراية في مغازلة الكلمات والتأويل … أحيانا قد يستخرج من القريض ما استعصى على تبيانه حتى من طرف صاحب القصيدة  … .

كيف نصف هذا الشعور الذي يسكننا ويبدأ في النمو داخل أفئدتنا ويهيم في أرواحنا ويعترينا الجمود ويغلب علينآ الصمت  ؟؟ … كيف نعبر عن شعور وحس يعاش ولا يحكى  ؟؟ … كيف نسائل هذا الشيء ألذي يسمى حبا ؟؟ … وكيف نسائل من قال أن للقصيدة  أكثر من  حب ؟؟ … لها حب واحد وأوحد  ،  مقدس في معناه وازلي في مداه  … اتفق كل عشاق الدنيا على فحواه : حب يغالبه احساس بالانجداب مداقه ثمر وعسل وحرقته نار وجمر وكثيرا ما تداوي الأحبة بالكي … وكثيرا ما استلد بعض الشعراء بالقساوة والمحن والمعاناة فكانت بالنسبة لهم السبيل والدافع للإنشاد ونظم القريض … كثيرا ما سمعت بعض الشعراء يصدعون جهرا وبصوت ملئه السماء أن نأخذ منهم هذه الجمرة  – اللعنة – التي تدعى شعرا ونترك لهم الإمتداد  والحب  والعشق … فالقصيدة حب واحد  وواحد … كثيرا ما سمعتهم يغنون للبشر والثراب والحجر غنوة الحب وهم يمزجون بين ألهم  والفرح  واختلاط الإيقاعات علهم يذكرون الجميع بالجوع والجرح والمرض والصرع والانهزام والخيانة  … يذكرونهم بكل الأوصاف والصفات التي غابت عنهم وتناسوها وتفاخروا بالبطولة والعزة المزيفة ورفعوا صوت المدياع على نغمات السنتير ودقات البندير تأخذهم جدبة بوهالي تذكرهم بشخصية الشكدالي المجنون   … وانغمسوا يتمايلون في رقصتهم يوزعون الحركات يمينا ويسارا وانصرف الشعراء ينضمون قصائد كلها الفة ووئام  فالقصيدة  صوت وإحساس واحد وواحد إنه صوت الحب  … ولهذا الكلام تتمة  .

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News