
المسؤولية: المصطفى دخوش الروداني
احلم انك تركب ظهر حصان عربي وأنت حامل في يدك اليمنى قلما يبدو لي في حجم السيف… احلم انك تحارب على مجموعة من الوجهات وانت تعد الأيام بأوراق الزهرة وتسافر في الجرح العميق الذي لم يلتئم… انت الذي احببت الناس وما خنت العشرة ورقصت على جرحك مبتسما وقررت الرحيل فرحلت… احلم وعيناي مغمضتان … احلم وأنا أستسلم للسبات العميق … احلم ولهذا الحلم دلالة الارتباط والمحبة وتجسيد ثقافة الإعتراف والايمان بقدورات الآخر في زمن الغدر والنفاق والكره والذوبان في حب الذاة قمة الانانية… هذا الحلم إسترجاع للأيام الخوالي يتفحصها ويصنفها ويتغنى بأجمل ما فيها ويترك القبيح … ولأنني تائه وعاشق للكلمة فشيء عادي أن أعانق القصائد ولا أتركها تنفلت من بين يدي واحتفي بالشخص الذي ابدعها واحلم… ايكفي دليلا انك تتجلى امامي في كل اللحظات الإبداعية على انك الأجدر بالريادة… عنك أروي ، عنك احكي. وشرط الرواية الصدق والجهر بالحقيقة … ” راجع ” الإسم المطرز بالذهب الخالص الموشوم في الذاكرة… الشامخ شموخ الجبال في مجال الإبداع ونظم الشعر … المروض للحروف الأبجدية والأوزان الشعرية والكتابات الحلزونية … العاشق للوطن بالاحاسيس المرهفة وجواز سفر عبره تسافر إلى كل القبائل والمدائن الموزعة على الخريطة العربية … ” راجع” أيها الغائب الحاضر : وانا أراجع واتفقد أوراقي القديمة المتناثرة دون ترتيب داخل دفتري القديم صادفت قصيدة من قصائد الزمن الفائت ، زمن النكسة والهزيمة ، زمن تشرد فيه الأبناء وهدمت فيه الديار … قصيدة تاريخ ميلادها النصف الاخير من القرن الماضي … قصيدة تحاكي العروبة وتستحضر الاب والجد … قصيدة خلعت فيها الراس وركبت اناء يجمع بين المتناقض بدءا من عجرفة المحتل الضليل إلى آخر منتوجات القباني فسقطت محترقا قبل بزوغ النهار وبدت لك بيروت والخرطوم والقدس وتل الزعتر وصبرا وشتيلا وكانت القصيدة سلاحا ورصاصا وبارودا وصمودا نحو الهاوية … هكذا شئت في إحدى الليالي الباردة المكسوة بالثلوج والسواد الحالك والجسد النحيل المثقل بالهموم والمرض والعلل أن تقوم بهذا الصعود الغريب الدال على عمق المعاناة والماساة وتعنون القصيدة بالصعود إلى الهاوية …
قررت في هذه الليلة أن تستعرض اسلحتك و تصيح في الريح أن هبي … قررت أن تنشر بعضا من الأسرار وأخرى تخبئها في القلب … راسك منفتح الشباك لريح الغرب وريح الشرق ولا شيء يهز هذا المدار … في البدا بحثت عن الصوت وقد اغتالوا حنجرتك في السر … هكذا يا عبدالله تستلهم هذه البداية من معاناة النفس الجريحة والذات المكلومة والجسد المحطم المسكون بكل انواع العلل بلغة راقية مشحونة بكل الصور المجازية التي تجعل العين كعين تصب الدموع بغزارة واندفاع لا يتوقف … هكذا يا عبدالله شئت بإرادة واعية وبمتخيلة ثاقبةوايحاء متدفق أن تجعل هذه المقدمة عنوانا لقصيدة مركبة تحمل بين طياتها كل العلامات الدالة على الحزن والماساة والمعاناة… قصيدة ” الصعود إلى الهاوية ” شئت أن تكون فيها تجاوزات واضحة وتعمدت ذلك بكيفية مقصودة … هكذا أردت أن تحول الكلمات والصور إلى معاني تجعلها بمثابة رموز لابد أن يتسلح من يرغب في الخوض والغوص في أعماقها بقاموس القراءات التاويلية التي تعطي للقريض أكثر من تفسير وتحليل … لابد ان يكون عاشقا مهووسا بلغة النظم والإيقاع والايحاء … لابد ان يكون دارسا متمكنا من كل الادوات التي تخول له أن يقرأ باطن الأشياء وكنه النفس المالومة المجروحة … لابد له أن يتوفر على متخيلة عمقها عمق البحار وبعدها لا يتوقف في الزمان ورؤيتها تتجاوز السراب … ” الصعود إلى الهاوية ” هكذا شئت بوعي أن تغير المفاهيم وتجعلها تتجاوز المألوف والمتفق عليه في التواصل … شئت أن تتلاعب بفنية واحترافية الشاعر المتحكم في اللغة الشعرية وتعطيها نسقا فنيا حتى ان ادعى المتلقي انه أستوعب مضمونه ومعناه فأنت الوحيد الأجدر بتبيان معناه وان كان اجمل شيء في النظم هو تعدد القراءات والتفسيرات … شيء جميل هذا التلاعب والتزاوج بين مفهوم الصعود والهاوية الذي يذكرني بفلسفة هيكل ونظرية الجدل الطالع والنازل … جميل على اعتبار أن عملية الصعود هي شكل من أشكال السمو والرقي والتطور تكون من مكانة دونية وتحتية إلى أخرى اسمى منها وارقى واعلى ولا يمكن أن تتصور الصعود إلى الهاوية والانزلاق إلى الأسفل ، هذه حركية تسمى عملية النزول وبالتالي فالصعود ارتقاء يقابله في اللغة الهبوط … تلك خاصية الشعر لا يفهمها ولا يتدوق أسرارها إلا الشعراء والمولوعين بالشعر … هكذا عبدالله قررت أن تصنع جغرافية الحلم وانت المؤمن انه حتى المجنون قد يحمل ريشة يرسم بها على اللوحة ما يراوده من أحلام وردية أو هستيرية بلون اعتبرته من أنقى واصفى الألوان : اللون الأبيض … هكذا تغازل اللغةوتجعل الحلم جغرافية إلى درجات أن البعض يتساءل إن أصابك مس وتجيب بعظمة الكبار وتواضع الرجال أن قد منحت المجنون عقلا… يختلط عندك الحلم بالواقع فكثيرا ما كنت تردد أن الواقع مجرد حلم وما نحياه كابوس وإن غلف بالحقيقة التي كانت في الأصل وهما …
هكذا عبدالله قررت الليلة أن تستعرض اسلحتك بعد عمر محسوب عصيب ، بعد أيام التمرد على الداة ورفضت كل فرص الإختيار والتأكد من انك ستسافر وتدير عينيك بعيدا … تسافر سفرك الاخير بعد أن صار واضحا أن كل شيء ضاع وأن حظك شديد السوء وانك لا تملك القوة كي تغير ما أعوج في الكون وانك الواحد الذي يجاهد في ذاته ويحاسب أفعاله ويبغي أن يكون النموذج في دنيا كلها لعب ومتاع وزوال …
ولانك انهزمت في احلى ايامك شئت أن تبكي لكن الدموع حجارة في الحلق وانطلقت في العين ولم تتسرب … ولانك أردت أن تزوج الحروف المثقوبة بالجراح التي سكنتك من البداية حتى النهاية ولانك تؤمن بالعزة والصمود وتمقت الدل والانبطاح وتريد أن تدافع عن مجد الآباء والأجداد بشرف وكبرياء قررت أن تستعرض اسلحتك ضدا على من اغتال حنجرتك وحول الحلم سرابا… سلاحك ليس كيماويا او بيلوجيا أو نوويا إنه سلاح من نوع آخر : إنه سلاح الكلمة والكلمة بارود وقد تعدو القصيدة رصاص ولهذا الكلام تتمة .





