
المسؤولية:المصطفى دخوش الروداني
شئت أن أقف على ما دار بيننا في ذلك اللقاء الحميمي الذي أتى صدفة ودون موعد أو أدنى تخطيط … التقينا بعد أن فرقتنا السنون في أحد أيام هذا الشهر بأحد ازقة هذه المدينة التي عرفت صرختنا الأولى والتي عشقناها عشقا صوفيا والفناها وضمتنا وجادت علينا بما جادت وحرمتنا من أشياء كنا نبغي اتيانها والحصول عليها … .
جمعتنا أقسام الثانوية التأهيلية للحي الذي ترعرعنا فيه معا … كراسي ومدرجات الجامعة التي كان لها شان وباع في تحصيل العلوم والمعرفة … جمعنا الركح واكسسوارات هذا الشيء ألذي أحببناه والذي يسمى مسرحا ، انكوينا بالهم وجمرة الإبداع … عرفتك عاشقا موهوبا بالكتابة والنظم ، كانت يدك اليمنى لا تفارق الكراس ، فالكتاب رفيقك في درب الحياة … تنبأ لك الرفاق والأهل بالعطاء حد النبوغ في مجال الخلق والإبداع الأدبي … كنت سيد زمانك … فرقت بيننا السنوات والتقيتك وانت منكسر القلب ، شاحب الوجه ، مثقل بالهم والأحزان ، مخرب الرئتين بفعل التدخين والاذمان ، جاحظ العينين ، سعال يكاد يخرب الصدر ، باختصار التقيت جسدا دون روح … سألتك عن أيامك وعيشك وأين صار بك الزمان ؟؟ سألتك ما مآل الكتابة والنظم والإبداع ؟؟ . سألتك ما سبب هذا الوجع المظني البادي للعيان ؟؟… ، أجبت بصوت مبحوح ممزوج ببكاء لا يسمع : ” كانت عنوان كتاباتي وارهاصاتي وابداعاتي ، كان الحرف يتشكل بجمالها وكان النظم ينطق بسراستحوادها على ذاتي وكانت السبب في حرق مؤلفاتي وقصائدي وطردي تعسفا من عالم الكتابة والكلمة دون رغبة مني ويا للمفارقة … قلت : ” لم أفهم . قال : ” باسمها ولها كتبت ونظمت وباسمها قررت أن اتخلى مرغما عن الكتابة والإبداع وصرت جسدا يمشي دون روح … ” .
في لحظة وبحركة عفوية أشعل سيجارة ونفت فيها بعمق كأن الرغبة تحدوه أن يأكلها ، أخد يتأمل الدخان الذي رسم رسما بيانيا في هذا المكان وصار كمن يخاطب ذاته وأطلق العنان لكلام مرتجل ما هو بالنثر وما هو بالشعر لكن يقينا هو خطاب يترجم احاسيسه المدمرة ومعاناته قال : ” باسمك فتحت كتاب ذكرياتي فانت عنوان مأساتي ومعاناتي … أعرفك كما اعرف جسدي النحيل … أدريك ، أدري هويتك ، جذور آبائك وأجدادك ، سواد عينيك واحمرار وجنتيك … أدري النواصي صاحبة اللون البني والظفائر المبعثرة كأبيات قصيدة مختلة… أدري فصيلة دمك التي تجمع فيها كل فصائل البشر كما ترغبين وتشائين أن تتفردي بها لوحدك بغجرفة امرأة متكبرة متحكمة و مسيطرة … أدري أنك الواحدة التي تملك وتتملك روحها وتهتدي هذيان المجنون نحو السراب تدعي أن الحياة قد استقامت لها ونزعتها من الآخر نزع المتجبر المتسلط … لأنك الموت الخانق لكل من تغزل بحروفك … لمن حاول أن يتحسس نبض قلبك … لمن حاول أن يفكك شفرة وأسرار غجرفتك … لمن حاول أن يقرأ عناوين قصائد ديوانك وبعضا من أشعارك … لأنك الموت لمن حاول أن يصير عبدا لجبروتك وانانيتك ، لمن حاول أن يغوص في يمك ، لمن حاول أن يشيد قصرا في بحرك بريشة رسام عاشق ولهان وزخرفة تمزج بين جماليات الحضارات الحديثة والمنسية المتالقة في المحسوس والأحلام … لأنك الموت لمن حاول أن يصارع الموج من أجلك معلنا للبحر ، للملأ وللعشاقوالشعراء الذين يعانون لحظة النظم مغص واوجاع ولادة القصيدة واختناق الكلمات وتسرب الحروف والجمل دون مقدمة ولا ترتيب … لأنك الموت والفناء للشعراء الذين يعانون لحظة الشعر عسر البكاء … .
باسمك ، أنت البحر في باطنه الظلام … أنت الموج العاتي ، أنت العمق ، أنت السواد ، أنت الكائنات الغامضات خبأها البحر في الجوف … أنت الوجع والحيرة والخوف … أنت الظلمة الحالكة ، أنت الاختناق ، الشرايين المسدودة ، أنت الانحصار ، أنت الشق المسدود ، الضيق والضيقة ، الربو ، أنت السقم المرض … أنت الزلزال والحروب المدمرة … أنت النار في أحشائها خبأت الحطب والبنزين وفي فمها الكبريت واللهب … أنت القسوة والقساوة تتلددين بتعذيب الضحية وتمشين مزهوة فوق السطح وتحاصريني بغبطة عنوانها لعبة القط مع الفأر … أنت الألم الذي لا ينمحي ولا يزول … لأنك كذلك أعلنها جهرا لك النار … .
باسمك توقف الخلق والإبداع واختلت أوزان القصيدة واندثرت القافية واعوجت الأبيات وما استقامت الألحان وما تبقى سوى ألهم والصداع … وجع في القلب وصداع في الرأس … لك النار يا سيدة سرقت ايامي واحلامي كمخبر تتبع خطواتي ليلا ونهارا… لك النار ، صار الدمع مآقي وعيناي تفيض على وجنتاي ، ما أعسر أن يجهش الرجل بالبكاء كطفل صغير يحن الى حضن امه يتحسس تديها منبع الحياة والحنان والاستمرار … .
باسمك الليل المظلم الحالك المسكون بالسواد … بإسم السماء خبأت النجم في جوفها ، والقمر خبأ نوره وانزوى كي لا تراه العين … بإسم الشجرة جفت اغصانها وبدت عقيمة لا تثمر الثمار … بإسم العين اشتد بياضها وفقدت نور البصر … بإسم القلب الذي توقف نبضه … بإسم الجنون كالمجنون مجنون انا … بإسم الحمق كالاحمق احمق انا … بإسم هذا وذاك وذلك ارتذيت هذه الليلة هذا الجلباب الممزق كرجل يلقب ” البوهالي ” – إبن الحي فقد صوابه وجن عقله يقضي يومه وهو يجوب ازقة الدرب ذهابا وايابا يتمتم كلاما مبهما غير مفهوم – ووضعت على الراس خرقة سوداء تخبيء بعضا من أسراري ، وخلعت حذائي وصرت أمشي حافي القدمين كما يمشي البوهالي في مدينتي وانصرفت تائها وراه السراب ، لا حدود ولا جواز سفر … كسرة خبز بائت وكأس شاي منعنع وقارورة ماء تكفيني كي اضمد جوعي واروي عطشي … .
أنا الواحد في ذاتي أعلنها جهرا للسماء والأرض ، للأهل والأحباب والأصحاب ، أخبر اليم والبر والفضاء ، أخبر الشجر والطير ، أخبر البشر والحجر ، أخبر الجمع والجميع بعد أن جربت كل الأدوية والأعشاب … أخبرك أنت ، أنت الطريق الاوسع ألذي قادني إلى المجزرة ، الفج العميق الذي كسر عضامي في المقصلة ، أنت السيدة الأكثر كرها وكراهية وخرابا … أخبركم جميعا أنني قررت الليلة ان اطلق كتاباتي القديمة وامزق أوراقي ودفاتيري واكسر اقلامي و اسكب مدادي على التراب في الخلاء وامسح ابداعاتي بالصلصال وأشعل النار في لوحي واعلنها جهرا أنك إن كنت يوما سيدة ابداعاتي والهامي فأنت اليوم من حولني جسدا يمشي دون روح … .
وجع في القلب وحكاية أوجعتني … خسارة أن نضيع فيك ويضيع الخلق والإبداع في زمن الشح والجراح … وجرح أنثى أولى لها أن تكون حافزا للإبداع والهام عوض أن تكون من مسببات هجرك للقصيدة والنثر … على كل حال ، دعني أهمس في أذنيك ، لقد صدق من قال : زن من وزنك بما وزنك … وما وزنك به فزنه …. من جاء إليك فرح اليه … من جفاك فصد عنه … من ظن انك دونه فاترك هواه اذن وهنه … لا تجعل نفسك مدلولا خلف أناس لايريدونك واختر وتألق مع سيدة أخرى علها تكون عنوان اشعارك وإبداعاتك ، بها وعبرها ستسافر نحو القمر فأنت أهل أن يرسم على جبينك الورد وان تؤلف كتاب وتسترد أيامك المسروقة وتفتح دراعيك من جديد للإبداع ، ولهذا الكلام تتمة … .





