
المسؤولية: المصطفى دخوش الروداني
صيف آخر غيب فيه الموت الشاعر الفنان الأمازيغي صالح الباشا … شاءت الأقدار وكل شيء مقدر في كتاب أن تغادر هذه الدنيا وتترك في الحلق غصة وفي القلب جرح عميق وألم … ما كنت الغائب … من أجلك أيها المهووس المسكون بهذه الجمرة التي تسمى شعرا أمازيغيا حزين أنا هذا الصيف … من أجلك سالت دمعة على مآقي وجهي العبوس … من أجلك انكسر القلب وتألم ولم تسعفني الكلمات في ذكراك وتخلى عين القرطاس وجف الحبر وبدت كل المعاني مرتية وحزينة أليمة تستحضر روحك الطاهرة ….
هي الخاتمة والحقيقة الواحدة التي لا مفر منها … نبكي عند الميلاد فرحا ونبكي عند الموت قرحا وفراقا … هو الموت يغيب اقرب وأحب الناس إلى القلب ويجعل هذه الحياة أتفه من التفاهة لا تستحق أن نعاني من أجلها ونتشبت بها … ما كنت الغائب … اتذكر أنك في الصيف الماضي قررت في سواد الظلام أن تسافر حيث المقام الأزلي والعنوان الأخير … كنت ممددا على الأرض داخل قبو ضيق راكمت فيه كل الأحاسيس المغلفة بالأحزان وجسدت فيه المثال الحي القاتل للمعنى الحقيقي لمعنى الوحدة والتوحد … كنت ممددا وبجانبك الكتاب الرباني الذي ينطق بكلام الواحد القهار الذي شاء سبحانه أن يقهر عباده بجبروت الموت … ما كنت الغائب .
تلك الليلة من ليالي صيف ولى قررت أن تركب صهوة العالم الآخر بحس من يرغب ان يغادر ويرحل كأن هذه الدنيا ما عادت تتحمل امانيك واحلامك … أنت ايها العاشق من تشبت بالقمر وحاولت بكل ما تملك أن تضعه داخل قلبك وتسد عليه قسمات العين مؤمنا أنك الأجدر والأحق به … أنت الذي عاهدت وما خنت العهد وترقبت بكل جوارحك بزوغ القمر لكن أيادي خفية غادرة ملئها الحسد والجشع شاءت أن تسرقه في ليلة كان فيها ضوء القمر متجليا للعيان … ولأنك آمنت أن هذا العالم الدوني الهيولاني مجرد فج ضيق يقود إلى سراب مميت اترت على نفسك أن تتجاهل كل ملذات الحياة الزائلة وان تهذي ذاتك قربانا للقمر … ولأنك عاشق للقمر فإنك كنت دومآ تصدع بلازمة انه ما أعطاك غير قفاه هذا الزمن الغادر وأنك واحد ممن ضيع في العشق والأوهام عمره … هو العشق إلى حدود الانطواء والإنعزال والاختلاء بالذاة وسط الفيافي والقفار … هو العشق إلى حدود الكتابة بالدمع ونظم الأشعار في جوف الهزيع الثاني من الليل لما ينسدل ضوء القمر … هو العشق إلى حدود ارتداء الجلباب والجري وسط <> حافي القدمين … هو الجنون والتحول إلى شخص بوهالي يخيط الكلمات حيث شاء وكيف شاء ومتى شاء يطرزها موعظة وحكم … .
أيها الغائب الحاضر … إن كنت حزينا وتعيسا أن سرق منك القمر وتكالبت عليك المحن من كل الجهات وتامر عليك الأحبة والأقرباء والأعداء فقد ارتوى وأثمر فدان النظم الأمازيغي من معاناتك التي دونتها في أجمل القصائد التي تحمل دلالات ومعاني عمقها عمق البحار وشموخها شموخ الجبال … .
أنت الغائب الحاضر ، شمعة تنطفيء ، كانت تغلف الظلام بشيء يشبه الضو تحاول أن تعادل ضياء القمر … الشمعة لن تستطع أن ترقى لفعل ذلك لكنها تحاول … هي تبكي وتتألم كي تسعد الآخر بكبرياء وعزة نفس وشموخ … تتحمل وتبقى واقفة وتابثة وصامدة حتى تنذثر بفعل الذوبان … .
أسميك في هذه الرحلة الفنان الشاعر الذي تفاعل مع الأحاسيس تفاعل المبدعين الكبار … أسميك مجنونا ومهووسا وانت تسترخي وتتحكم في النظم … أسميك العاشق سيد زمانه … أسميك شكدالي القصيدة الأمازيغية التي شئت أن توثق فيها وعبرها لعشقك الأزلي وتخلذ أن نبض القلب ينبض للحبيب الأول .
رحمك الله صالح الباشا ستبقى موشوما في الذاكرة .





