
المسؤولية: المصطفى دخوش الروداني
ها انت كعادتك ، والعادة بحكم تكرارها قد تصبح إدمانا، تتخطى هذا الشارع الطويل الفاصل بين الحي الذي تعشقه عشقا صوفيا وتتغنى به إلى درجة الدوبان وتشعر حين تغادره انك تفقد هويتك وتتغير ملامح وجهك إلى الجانب الآخر من مدينتك واناس بلعت مؤخرتهم السراويل … كعادتك تمشي بخطوات متراصة ومنسجمة متتاقلة ترمي اليسرى واليمنى … تمشي كانك الواحد في ذاتك وانت الوحيد في وحدتك رغم انك وسط هذه الكومة من البشر والضوضاء والهرج والمرج الذي ثقب الاذان صداعا … لا تحس ولا تشعر … تمشي مزهوا بخطوات متتاقلة وتترك العنان للبصر يقتات من نفس المناظر والطوب والحجر والاسمنت والارصفة والصور والوجوه ، مناظر الفتها العين وبحكم تكرارها اليومي صارت ادمانا … يكفي أن تسد قسمات العين كي تبدو لك نفس المشاهد تتجسد امامك بشكل مجرد … وانت العارف ان التجريد هو استخلاص للاشياء الثابتة في الشيء … وحيث انه كذلك فيكفيك أن تغمض عينيك كي تستحضر هذا الحي ببناياته واشجاره واسواقه واهله وذويه وطيف ألوانه فيتجلى في وجود حضرتك بإحساس عشق مولود صغير إلى ثدي أمه وحنان وعاطفة أم إلى ابنها تضمه حتى يسيل من بين شقوق جسده زبد الشوق … بعشق عاشق ولهان شطر الابيات ونظم الاشعار وحول مأساة الفراق دموعا كالانهار … بعشق عاشق اكتوى بنار الغدر فتحولت حياته عذابا وكدرا واحزانا وما استطاع أن يكون له في تبديل المعشوق اختيارا … ها انت كعادتك، مثقل بالهموم كانك تحمل اعباء الدنيا المعوجة التي اخلصت لها وما منحتك سوى الغدة والالام وتخلت عنك وادارت وجهها لغيرك… ليس لك نصيب من الفرحة اذا استشعرتها لحظة غابت عنك أياما … كعادتك تفرج عن المعاناة بالكتابة وتطلق العنان للقرطاس يتجول في جنان الحروف عله يكتب شيئا يدعى ابداع … انت العاشق إلى درجة الهوس بالنظم والحلم فما لا يتحقق في الواقع قد يعدو حقيقة في عالم الخيال … غريب امرك انت المتفرد الحالم المتعلق بالكهف الافلاطوني والساكن باحدى دور المدينة الفاضلة … بهذا النفس الملحمي الفلسفي تمشي بخطوات تابثة نحو السراب وانت منجذب لهذا الشارع الطويل تحيط به وبك الاشجار عن اليمين واليسار … اشجار كثيفة بجودع خشبية وأوراق وثمار تتفرع عند ارتفاع معين من الارض ميزتها وخاصيتها طول العمر … انت المتيم بهذا الشارع والعاشق لهذه الشجرة… هذه السيدة صاحبة الاوكسجين ومخزن للكربون… سيدة تزود بني البشر بالمواد اللازمة لصنع العديد من الادوات وحتى الورق الذي تستعمله في خط النثر ونظم الشعر … سيدة تساعدك على تعزيز صحة جهازك التنفسي اد تزيل كل الملوثات من الغلاف الجوي وتمنحك بسخاء هواءا نقيا… سيدة كلما كنت بقربها وعاشرتها الا وتحسنت صحتك النفسية وزالت عنك مشاعر التوثر والقلق والاكتئاب … انت عاشق لهذه السيدة ومتيم بهذا الشارع الذي يحمل اسم ” الشجر ” … في تقديري ليس عبثا أن تروض هذا الجسد النحيل على المشي بالطول والعرض تقاسم همومك وانشغالاتك واحزانك مع الرصيف والاشجار … ليس عبثا أن تنجدب دوما إلى هذه المقهى التي تزينها هذه الشجرة التي تقلل من كمية ضوء الشمس الواصلةالى الساحةالمفتوحة بجانبها… ليس عبثا أن تسمى هذه المقهى باسم ” تحت الشجرة ” … هنا يلتقي الاسم والتعريف بذكريات الطفولة وما بقي من نقش وحفظ لمحفوظة قديمة علمك اياها المعلم المتفاني المشمول برحمته السيد الجبراني لما التحقت بالمدرسة الابتدائية ” الجاحظ ” المتواجدة بالحي المحمدي … اضنك
لازلت تردد الأبيات بصوت خافت حتى لا يسمعك الاحفاذ – فصوتك صالح لأي شيء سوى الغناء – : ” اني احب الشجرة … احب فيها الثمرة … احبها ظلا علي .. وسندا لكثفي … لذا فلا ارجمها… ودائما احرسها …” .
مقهى ” تحت الشجرة ” دال على مدلول ، مكان معروف عند العادي والبادي لا يمكنك أن تخطيء العنوان فهي بادية للعيان شامخة في هذا الشارع شموخ الجبال … هنا تلتقي كل اللغات … حتى الصمت لغة … هنا يختلط الضجيج وتعم الفوضى … فوضى في كل شيء في اللغة ، المواضيع ، النظر ، التحليل، القنوات التلفزية ، الوات ساب ، اليوتيوب ، الكراسي المرمية ، الموائد الموزعة والكؤوس المشتتة فوضى في كل شيء سوى هذه الشجرة ذات الجذع الخشبي ، صاحبة الاوراق العريضة والمسطحة فهي ثابتة ثبوت الزمن ومتالقة شامخة ومنتصبة عنوان الجمال والتحدي والاستمرار … انها الحياة … هنا المعنى الحقيقي لشرب القهوة السوداء وكأس شاي منعنع محلى وبدون سكر… هنا إدمان على الجلوس وهدر للزمن وقتل للوقت وثرثرة في كل المواضيع حتى الفارغة تصبح ذات معنى وشأن … هنا تحت الشجرة وانت جالس بمعية ثلة من الرفاق ، عشاق الكافي انوار والثرثرة والنفاق والشقاق والنميمة تحاول أن تجد للمنطق والعقل نافدة تطل من خلالها علك تمنطق العلاقة بين الدال والمدلول فتصبح علاقة تطابقية مفهومة … تحاول أن تستحضر العقل واسسه المبنية على المنطق وعدم التناقض والثالث المرفوع كالية للحوار والنقاش …تحاول أن تستحضر مجموعة من النضريات الفلسفية : الشك من اجل الشك ، الشك من اجل اليقين ، الجدل الطالع والنازل ، الجدل المقلوب على راسه ، الصراع بين فيورباخ وهيكل والوجود عند هيديجر … الخ … تستحضر كل هذه المقومات حتى يكون للنقاش روح ومعنى .. هنا تحت الشجرة وانت تستظل بأوراق الصفصاف وترشف رشفة من كاس الشاي المنعنع والمحلى بأكثر من طوبة سكر تشعر انك في دوامة اللامنطق ، سوق فارغ وجدل عقيم وتبادل لافكار دونية تنم عن سفسطائية مدوية تكرس الكلام من اجل الكلام والهرطقة واللامعنى … الكلام الفارغ والجدل العقيم هدر للزمن والابداع … هنا تحت الشجرة الكل يغني لليلاه بمحبة العاشق الولهان الذي صدق الحلم وكذب على الذاة وانتهى به الامر إلى أن أنكوى بنار الجمر والغدر والخيانة وكان ماكان وصارت اغنية تتردد في كل ان… هنا تحت الشجرة فكل المواضيع مباحة فلا اسلاك ولا قيود ولا جدران ولا منع ، لك ان تسبح في عالم السياسة والرياضة والثقافة وحتى علم الاجتماع … الخ … هنا تحت الشجرة لك أن تكون سياسيا دون أن تملك المقومات الأولية والحروف الابجدية في هذا المجال فالكل يدعي السياسة بجهل أو بيقين … السياسة هنا فن من فنون المراوغة والدهاء والفطنة… السياسة أن تكون لك القدرة على أن تحلل الحرام متى شئت وتحرم الحلال كيفما شئت … السياسة استماع وقراءة وهرولة وتقصي الاخبار والمواكبة … السياسة إضطلاع على التاريخ الرسمي والمسكوت عنه … من اجتماع سقيفة إلى الحروب والمعارك الغابرة في الزمان … إلى الحرب العالمية الاولى والثانية والحرب الباردة والساخنة وسقوط جدار برلين وانهيار المنظومة اليسارية الاشتراكية وصعود الليبرالية المتوحشة والاستعمار الجديد … إلى افغانستان وما حققه الطالبان … إلى يوم الاربعاء وما خلفه انهيار حزب العدالة والتنمية واكتساح الاحرار … إلى جار الحقد والغدر والحسد الضباط الجزائريون أصحاب السياسة المتعفنة اضحوكة هذا الزمان …هنا تحت الشجرة لك أن تكون رياضيا ملما بكل انواعها ، تسميتها ، والآليات المتحكمة فيها وتاريخها واللاعبون المتالقون على مدار الزمان… هنا العشق لهذه الكرة التي استهوت الجميع إلى درجة الجنون … البارصا ، الريال مدريد ، وتشيلسي والوداد والرجاء وللاتحاد البيضاوي مكان في خضم هذه الضوضاء التي تسمى جدلا وتبادلا للأفكار فلا يمكن أن تتجاوز الطاس وانت في حضرة الحي المحمدي … هنا الجميع يفهم في التدريب ووضع خطة اللعب وقوانين التحكيم ومحكمة الطاس ، بخلاصة فأنت هنا داخل بورصة الفرق الرياضية واللاعبون …
هنا تحت الشجرة لك أن تكون مثقفا… الثقافة ليست بمعنى الكم المعرفي وترجمت ما تحمله من المعاني والدلالات على المستوى الواقعي المعيشي … ليست بالمعنى الأخلاقي الذي يؤسس لمفهوم المطابقة بين الفكر والسلوك اليومي لشخص المثقف … ليست بمعنى التحليل والنقد الموضوعي والعشق الروحي للحرف والكلمة وكل فن جميل ومثير تحت قاعدة أن الابداع تجاوز للمألوف مقبول للعين والحواس وممنطق بالنسبة للعقل .. ليس بهذا المعنى بل بمفهوم يخص المتطفلين واشباه الكتاب والنقاد الفاشلين الذين لا يملكون من الفن والابداع سوى الاسم …
تحت الشجرة لك أن تعوم وليس ضروريا أن تثقن فن العوم … لك أن تحلل وتشرح كما تشاء وكيف ما تشاء … لك أن تكون سياسيا بالدرجة التي تعشق … لك أن تكون مثقفا ورياضيا كما تشتهي لكن رجاء لا تنسى أن تكرر محفوظتك المفظلة بصوت عالي يخترق الجدران ويحرك الأغصان ويصل إلى أذان الصغار قبل الكبار :
يا اخوتي … جاء المطر … هيا اجلسوا … تحت الشجر … هيا خدوا … مني الزهر… هيا كلوا … هذا الثمر.
ولهذا الكلام بقية





