
المسؤولية: عبدالرحمن امعضور
هناك اجتياح كبير للبذاءة والرداءة في مختلف مناحي الحياة اليومية بالمغرب. فأينما وليت وجهك، فثمة سلوكيات مشينة، مثل رمي الأزبال في الشارع العام والكلام السوقي، ناهيك عن غياب حس الالتزام بالمسؤولية على المستوى الفردي: فالموظفون لا يقومون بأداء واجباتهم كما يجب، العمال والحرفيون في غالب الأحيان لا يلتزمون بإنجاز العمل بإتقان.
حالة الرداءة هذه هي تعبير عن غياب السلوك المدني، والتي تحيل إلى مستوى تحضر المجتمع. فالمجتمعات المتحضرة نجحت في بناء قواعد للعيش المشترك، جزء منها مؤطر بالقانون، والجزء الآخر، وهو الأوسع، هو عبارة عن قواعد غير مكتوبة وتتجسد، أساسا، في معايير للسلوك (ما يجب القيام به، وما يجب تفاديه) تعكس وعي المجتمع بذاته ومستوى تحضره.
# أين تكمن المشكلة إذن؟
غالبا ما يتم لوم الدولة في الكثير من الأوضاع التي نعيشها. فالمواطن يجد سهولة في إلقاء اللوم على الآخرين لإنكار دوره في الوضعية التي يعيشها، وهو هروب لا شعوري من تحمل المسؤولية الجماعية.
صحيح أن الدولة تتحمل نصيبا من المسؤولية في حالة الرداءة التي نعيشها، ويرجع، أساسا، إلى تراجع مستوى التعليم وعدم إنفاذ القانون. هذا بالإضافة إلى أن المواطن ينظر إلى غياب حس المسؤولية لدى عدد من المسؤولين والمنتخبين كمبرر لتأبيد حالة الرداءة.
ولكن، إذا حاولنا النظر إلى الموضوع من زاوية مسؤولية الفرد والمجتمع. فما الذي يمنع المواطن من تعلم السلوك المدني وإتقان العمل؟ هل الدولة ملزمة أن تعين “شرطيا” أو “دركيا” لكل مواطن لكي يقوم بعمله بشكل متقن ويحترم قواعد العيش المشترك؟
يبدو أن (غياب) السلوك المدني وتراجع منسوب “الذوق العام”، هو رأس الجليد للأزمة التي تعيشها مؤسسات التنشئة الاجتماعية، أساسا، الأسرة والتعليم، ويمكن أن نضيف إليها الإعلام. فهذه المؤسسات من المفترض أن تشكل الحاضنة لتربية الناشئة على قيم المواطنة، فالأسرة قد تربي أبناءها على الالتزام بالنظافة داخل المنزل، ولكن الآباء لا يجدون حرجا في إلقاء القمامة في الشارع العام.
هناك تحدي آخر مرتبط بنظام القيم داخل المجتمع، لا سيما قيم العمل والقوة. فالثقافة السائدة تركز، أساسا، على الالتزام الشكلي بالأخلاق والممارسات الشعائرية، من دون أن تربط ذلك بمعاملات وانعكاسات ذلك على العلاقات الاجتماعية. فممارسة الصلاة أو أداء فريضة “الحج” من المفترض أن تؤدي بالمؤمن إلى تجنب “الفحشاء والمنكر”، في حين أن هذه الممارسة أصبحت بالنسبة إلى البعض “ماركة تجارية” أو “وضعا اجتماعيا” من دون أن ينعكس الالتزام بهذه الشعائر على مستوى السلوك. ومن هنا يظهر تناقض بين ممارسة الشعائر والأخلاق. هذا التوترالمتناقض هو ما دفع بعض الباحثين والمتابعين إلى الحديث عن “النفاق الاجتماعي”.
هناك، أيضا، دورالمدرسة في التكريس العملي لهذا التناقض وتعميق وضعية (غياب) السلوك المدني. على سبيل المثال، فإن بناية المدرسة وشكلها يمارسان أحيانا عنفا رمزيا على التلميذ وتساهم في تكريس السلوك (غير) المدني.
أما دور الإعلام، لا سيما المرئي، في تكريس السلوك (غير) المدني، فلا يحتاج إلى تعليق.
المشكلة إذن، ثقافية بالأساس، وتحتاج اشتغالا معمقا من طرف المجتمع (والدولة) لبناء السلوك المدني عند المواطن/الفرد.





